ومن الشائعة ما قتل عامل رئيس في صناعة الرأي العام وتدمير الاقتصاد واغتيال الشخصيات
[ad_1]
تحقيق: هويدا حمزة
في بداية تجربتي وكنت قد اجتزت للتو مرحلة التدريب وبدأت كمتعاونة بالمخضرمة (الدار)، ورد إلينا نبأ وفاة الفنان الذري إبراهيم عوض عليه رحمة الله، فحملنا أوراقنا وخرجنا إلى الشارع نستطلعه حول خبر الوفاة، ولم نكن نمتلك هواتف نقالة في ذلك الوقت، فأجرينا الاستطلاع، وعندما عدنا إلى مقر الصحيفة قالوا لنا (الخبر شائعة والذري حي يرزق) فنزلت مني دمعة على مجهودي الذي ذهب هباءً وقد أوشك الليل أن يسدل ستوره و (راجيني مشوار لجبل أولياء)، تلك الدمعة لم تنزل وقت أن سمعت خبر الوفاة، لأن الفنانين في ذلك الوقت كانوا بالنسبة لي مثل أنواع السيارات ورتب الضباط لا استطيع تمييزها.
الواقعة أعلاه هي أخف الشائعات ضرراً بعد الشائعة الحالمة، فقد أصبحت الشائعة علماً خطيراً قائماً بذاته، وأصبحت لها مراكز وصناع، بل أنها أصبحت خططاً تكتيكية تقوم عليها اقتصاديات دول كبرى وكذلك الحروب، وتستخدم كذلك للاغتيالات المعنوية سياسية كانت أو اجتماعية، أو لإثارة الكراهية والنعرات القبلية.. إلخ.
الخبير الأمني والاستراتيجي حسن دنقس تحدث لـ (الإنتباهة) عن
الشائعة المنظمة، فقال إن هنالك جهات تستفيد منها، ودائماً تخلقها ظروف وأوضاع معينة إما في بيئة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، فالبيئة تتعلق بمسألة التباين السياسي وتحقيق مكاسب حزبية، خاصة إذا لم تكن هنالك مراعاة للمصلحة الوطنية أو لم يكن هنالك ميثاق متفق عليه يمكن أن يعلي من المصلحة الوطنية، كما أن هنالك شائعات تتعلق بتحقيق مصالح اقتصادية مثل شائعات تعمل على هدم مؤسسة ما من أجل مكاسب ما، وتعمل على تحييدها أو لتحقيق مصالح شخصية لمطلق الشائعة خاصة في السوق، ففي المؤسسات الاقتصادية دائماً هنالك تنافس. وهنالك شائعات تتعلق بالعسكرية خاصة في حالة الحرب، وقد استخدمت كثيراً في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبواسطة تلك الشائعات تم تحقيق انتصارات. وعن الشائعات المنتشرة في السودان في الوضع الراهن، قال إنها نتيجة لشح في المعلومات، والشح يخلق نوعاً من الأزمة، خاصةً أن الدولة تعاني من عدم استقرار، وبالتالي نحتاج لتمليك الحقائق وتوفر المعلومات، فالأجواء السياسية متغيرة بين كل فترة واخرى، إضافةً لعدم وجود حد أدنى للتوافق يجمع الآخرين، لذلك أي كيان سياسي يعمل على تحقيق مصالح ذاتية له وانتصارات تعلي شأنه أو فرض أفكاره بما يتوافق مع برامجه. وكذلك طالما هنالك عدم استقرار سياسي وغياب الإدارات التنفيذية في شتى المناحي فهذا يوفر بيئة خصبة للشائعات خاصة المنظمة منها، فبعض الشائعات يتم إطلاقها لجس نبض الشارع نحو قضية ما، فالشائعة أحد عناصر قياس الرأي العام، وكذلك هنالك شائعات يتم إطلاقها دون وجود مصادر موثوق بها يتم التعامل معها باعتبارها جهة رسمية، وهذه تتوفر في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية الكبيرة.
وأشار دنقس لوجود مراكز عالمية تتمثل في شركات العلاقات العامة التي تعنى بتحسين الصورة الذهنيةـ وتعمل عملاً إيجابياً لكيانات معينة حولها اختلاف ومنها شركات إسرائيلية، فتخاطب الشارع السوداني بأسلوبه ثم تطلق شائعة لتحقيق مكاسب، كذلك المخابرات العالمية يمكن أن تختلق بعض الأشياء لتحقيق المصالح القومية لدولها، وهذا في ظل النظام العالمي الجديد، فالصراع الدولي أصبح متاحاً حسب قوة الدولة وسياستها الخارجية، وهنالك تنافس شرس في هذا الجانب.
فراغ جمعي
وتحدث باحثون اجتماعيون لـ (الإنتباهة) عرفوا الشائعة بأنها خبر قصد منه الترويج ولفت الانتباه، وهو شيق ومثير للفضول، وهي ليست شيئاً طبيعياً في حياتنا اليومية، وتختلف عن النمط اليومي العادي، وقد تكون صحيحة أو غير صحيحة، ولكننا لا نعتبرها صحيحة لأن المعلومة أساساً تعتمد على المصدر، والشائعة هي تداول الخبر من جهة لجهة عبر الوسائط أو مباشرةً في المناسبات خصوصاً في الأوساط غير الواعية وغير الملمة بالأحداث، وهذه الأكثر شيوعاً لأنها عندما تنتقل عبر الوسائط قد ترتطم بحائط من يصدونها ويكذبونها مع ذكر الصحيح. وحسب محدثي فالشائعة تنم عن الفراغ الجمعي، ومن خلال هذا الفراغ يجد المجتمع فرصة لتناقل الأشياء، وبعض الأشياء فيها منطق والبعض الآخر لا، و 70% من المعلومة يتساقط عند تداولها، وفي الخارج الشائعة مرتبطة بالجريمة وهي نفسها جريمة لأن بها إشانة سمعة. والناس يلتهون بالشائعة ويتركون الحدث الآخر المرتبط بها رغم أنه يمثل جريمة، فإذا وجد شخص مقتول يتجاهلون المقتول وجريمة القتل ويقولون (ما قالوا كتلوهو أولادو) وهذا اتهام يمثل جريمة.
استهداف النجوم
وتقول الباحثة الاجتماعية دكتورة ثريا إبراهيم إن أية معلومة غير حقيقية أو غير واقعية تعتبر شائعة، وهنالك أسباب كثيرة لانتشارها أهمها أن هنالك من لديهم غبناً تجاه آخرين ويرغبون في الانتقام منهم اجتماعياً أو اقتصادياً أو على مستوى العمل. وهنالك أشخاص مضطربون نفسياً ولا يرغبون في أي سلام اجتماعي فيطلقون الشائعة من باب إشاعة التوتر والقلق الدائم، وهناك من يعتقدون أنهم بالشائعة يمكن أن ينشروا الخوف والرعب، وقد تنشر الشائعة لأسباب سياسية للكسب والتأييد السياسي وإبعاد الآخر الذي يختلف معهم سياسياً باختلاق الأكاذيب والشائعات لمحاولة كسبه أو (الشوشرة) حوله.
ونجوم المجتمع أو القيادات السياسية أكثر استهدافاً بالشائعات، وأثناء إجراء هذا التحقيق سرت شائعة عن تحرش أحد السياسيين من الكيانات السياسية (المؤلفة قلوبها) التي دخلت الخرطوم على شرف (الثورة) بإحدى الإعلاميات التي ولت هاربة حسب الشائعة التي قد يكون مستهدفاً بها الرجل أو الإعلامية نفسها من باب الاغتيال السياسي أو المعنوي، وعلى هذا الأمر تعلق الصحافية المشاكسة عائشة الماجدي التي قالت لـ(الإنتباهة): (نحن كصحافيات سياسيات تضررنا كثيراً من الشائعات التي تطلق حولنا، وقد أصبح السياسيون يقومون بتصفية حساباتهم مع خصومهم أو حول آرائنا السياسية بإطلاق الشائعات حولنا، ولكن ذلك لن يرهبنا أو يثنينا عن الصدع بالحق ولو وضعوا (السيوف) حول أعناقنا ناهيك عن الشائعات الفطيرة).
واثق الخطوة
أما تلك الصحافية المشهورة فقد أشيع عنها أنها تزوجت سراً من أحد السياسيين المشهورين، ولكنها سخرت من الشائعة التي وصفتها بالتافهة وأن مروجيها أيضاً تافهون. وقالت: (يتزوجني سراً ليه؟ لو عاوزني يجي يخطبني بالباب وأنا بوافق). وقالت أنها تعرف من روج هذه الشائعة لأسباب تعلمها تماماً، وقد سبق أن أطلق حولها شائعات أخرى بغرض تدميرها، ولكنها تقول: (ولا يهمني، واثق الخطوة يمشي ملكاً).
بريء
قبل أيام أيضاً نشر في الوسائط أن الممثل علي مهدي قال إنه رأى في المنام نوراً يشع من وجه وزير المالية جبريل، واعتبرها رواد التواصل (تلجة) منه لجبريل الذي زاره بمنزله، ولكن مهدي نفي ما نسب إليه وقال إن هذه ليست لغته ولا منهجه، ووصفه بالعنف الذي ظل يدعو لمناهضته في كل مقالاته، مؤكداً أنه لا ينتمي لأية حركة سياسية، وأن مثل هذه الأكاذيب مجهولة المصدر.
آلة صدئة
ويصف الكاتب الصحفي ورئيس تحرير صحيفة (الرواية الأولى) الإلكترونية الزميل مجدي عبد العزيز الشائعة بأنها من الآلات الصدئة التي كثر استعمالها في الإعلام والإعلام المفتوح وفي عالم السياسة، وهي إحدى وسائل الترويج غير الحميد للمواقف أو للاغتيال السياسي أو لتزييف الحقائق، وكثير من القوى السياسية التي تستخدم هذه الوسيلة لها منظمات خاصة بإطلاق الشائعة وتخليقها وترويجها في الظروف المناسبة لبثها بغرض الكسب السياسي، وهي بالدرجة الأولى ليست من أدوات الإعلام أو النشر النظيف، وإنما تقع تحت طائلة مخالفة الأعراف ومواثيق الشرف الإعلامية والصحفية.
تدمير اقتصادي
هنالك أيضاً شائعات متعلقة بالمنافسة الاقتصادية والتجارة والبيع والشراء على مستويات مختلفة قد تكون شركات اقتصادية كبيرة أو مصانع، وقد تكون منافسة بسيطة بين دكان والآخر في الحي فيطلق شائعة بأن فلاناً يبيع بضاعة منتهية الصلاحية وغيرها، وأذكر أن بعضهم نشر صوراً لمادة بلاستيكية قال إنها لأحد الزيوت المشهورة بعد استخدامه، مع العلم بأنني شخصياً كاتبة هذا التحقيق أفضل استخدام ذلك الزيت الذي أجده (طيباً) وله من اسمه نصيب.
تفعيل القوانين
وجزمت الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم بأن كل الشائعات لها أضرارها، فيمكن أن تهدد الشائعة السياسية أمن الدولة والاقتصادية يمكن أن تهدد الأمن الاقتصادي، وقد تسبب هلعاً وخوفاً للمواطن تجاه السلع فلا يشتريها، كما أن الشائعة الاجتماعية تسبب أضراراً مؤكدةً لمن تحدثوا عن أشياء تمس سمعته الاجتماعية والشخصية وعرضه، فتتضرر أسرته، خاصةً أن الأشياء الاجتماعية حساسة، والمشاهير هم الأكثر تأثراً بتدفق المعلومات عبر (السوشيال ميديا) أو في الونسات العامة للأسف الشديد، وبالتالي حتى نحد من هذه الشائعات تؤكد ثريا ضرورة تفعيل القوانين والتوعية عبر الإعلام بخطورة الشائعات، وتضيف قائلة: (اذا سمعت من يتحدث عنك بحديث غير حقيقي من حقك أن تبلغ عنه، وكذلك الشركات من حقها أن تبلغ عمن يشوهون سمعة منتجاتها، فثقافة القانون لا بد أن تشيع حتى تحقق الحماية المطلوبة لكل الناس، وأيضاً لا بد من استخدام كل اللوائح التي تحقق الحماية خاصةً في وسائل التواصل الاجتماعي بمنصاتها المختلفة سواءً بالحظر أو التبليغ، فكثيراً ما سمعنا بأن أشخاصاً تم حظرهم وأغلقت حساباتهم لأن البعض اشتكى بسبب نشر معلومات كاذبة عنهم، وهذا يظهر جلياً في الحراك الحادث الآن، وفي (السوشيال ميديا) إذا كتبت منشوراً يعزز العنف أو أية ظاهرة سلبية فهذه المنصات يمكنها حظرك بقوانينها الخاصة، وهذا كله يصب في حماية المجتمع، وبالضرورة نستخدم كل الآليات المتاحة وثقافة حماية الحقوق).
أنواع الشائعات
الشائعات أنواع، فهنالك الشائعة الحالمة وهذا النوع من الشائعات يسمى أيضاً (الشائعات الوردية) و (شائعات الأمل) أو (الرجاء) أو (الشائعات المتفائلة)، وهي جميعها تعبر عن رغبة المستمع لها في أن يكون ما يسمعه حقيقة، حيث تدخل السرور والفرح والغبطة في نفسه، ويكون زمن إطلاقها وتداولها قبل أيام من المناسبات الوطنية والدينية التي يعتز بها أفراد المجتمع حسب تعريف حصلنا عليه من (النت).
أما الشائعة الغاطسة حسب مختصين في تحليل الشائعات في حديث لـ (الإنتباهة) فهي التي تتجدد كل مرة مثلاً (وفاة عمر البشير)، وهناك شائعة لجس نبض الشارع العام تجاه زيادة في أسعار منتج أو لتهدئة الرأي العام عند الأزمات، مثلما حدث أيام حمدوك حين أشاعوا أن هنالك بواخر وقود وصلت بورتسودان مثلاً، وهنالك شائعة الكراهية التي تستخدم لاستهداف الشخصيات للاغتيال المعنوي، والشائعة الغاطسة وشائعة الكراهية أكثر الشائعات انتشاراً في السودان، وتتسبب في هدم النسيج الاجتماعي وتؤجج الصراع القبلي، وأكثر الناس استهدافاً بها رموز المجتمع ورموز العمل السياسي والقيادات الأمنية، وأغلب الأخبار المنتشرة الآن مفبركة ومصنوعة، وهنالك أجندة لتأجيج الصراعات بين السودان وبعض الدول، وهذه لها دور كبير في بث الشائعات بين الشعوب، وهنالك مراكز ومتخصصون لصناعة الشائعات المنظمة، فبث الشائعات وصناعتها وإخراجها أصبح تخصصاً كبيراً، وهنالك جزء من الشائعة صحيح والبقية مفبركة، ولكن ما يحوم في السودان الآن شائعات وليست أخباراً صحيحة خاصةً ما ينشر في المواقع الإلكترونية، لأنه لا يوجد قانون رادع حتى الآن.
قانون الشائعات
لقد حاول كل من البورت وبوستمان أن يضعا قانوناً أساسياً للشائعة في شكل معادلة جبرية، ووصلا إلى أنه من الممكن وضع معادلة عن شدة الشائعة كالآتي:
شدة الشائعة = الأهمية + الغموض.
ويعتبر الممل والخمول ميداناً خصباً لصناعة الشائعات وترويجها. والشائعات الهجومية المسمومة من يقومون بترويجها هم أعداء الوطن. ولعلنا نذكر شائعة الحمى النزفية التي أعادت صادر الماشية من الموانئ، ورغم الخسائر التي مني بها اقتصادنا وقتها، إلا أن البعض نظر للنصف المليء من الكوب، فاستمتعوا في عيد الأضحى بلحوم نظيفة ورخيصة.

[ad_2]
مصدر الخبر موقع الانتباهه
المزيد من الاخبار على الرابط بالاسفل
https://sudanewsnow.com/?p=195997
اخبار السودان الان من كل المصادر
صحيفة الانتباهة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق